الأبشيهي

668

المستطرف في كل فن مستظرف

لا تخرج مني ببيع ولا هبة فأمسك عني فكانت عندي على تلك الحالة لا أزداد فيها إلا حباً فبينما أنا ذات ليلة إذ أتتني عجوز من عجائزنا فذكرت لي أن بعض أعراب المدينة يحبها وتحبه ويراها وتراه وإنه يجيء كل ليلة متنكراً فيقف بالباب فيسمع غناءها ويبكي شغفاً وحباً فراعيت ذلك الوقت الذي قالت عليه العجوز فإذا به قد أقبل مقنعاً رأسه وقعد مستخفياً فلم أدع بها في تلك الليلة وجعلت أتأمل موضعها وموضعه فإذا بها تكلمه ويكلمها ولم أر بينهما إلا عتباً ولم يزالا كذلك حتى أبيض الصبح فدعوت وقلت لقيمة الجواري أصلحي فلانة بما يمكنك فأصلحتها وزينتها فلما جاءت بها قبضت على يديها وفتحت الباب وخرجت فجئت إلى الفتى فحركته فانتبه مذعوراً فقلت : لا بأس عليك ولا خوف هي هبة مني إليك فدهش الفتى ولم يجبني فدنوت إلى أذنه وقلت : قد أظفرك الله تعالى ببغيتك فقم وانصرف بها إلى منزلك فلم يرد جواباً فحركته فإذا هو ميت فلم أر شيئاً قط كان أعجب من أمره قال عبد الملك : لقد حدثتني بعجب فما صنعت الجارية قلت : ماتت والله بعده بأيام بعد نحول عظيم وتعليل وماتت كمداً ووجداً على الغلام وقيل إن عبد الله بن عجلان الهندي رأى أثر كف عشيقته في ثوب زوجها فمات . وذكر محمد بن واسع الهيني أن عبد الملك بن مروان بعث كتاباً إلى الحجاج بن يوسف الثقفي يقول فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من عند عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف أما بعد . . . إذا ورد عليك كتابي هذا وقرأته فسير لي ثلاث جوار مولدات أبكاراً يكون إليهن المنتهى في الجمال واكتب لي بصفة كل جارية منهن ومبلغ ثمنها من المال فلما ورد الكتاب على الحجاج دعا بالنخاسين وأمرهم بما أمره به أمير المؤمنين وأمرهم أن يسيروا إلى أقصى البلاد حتى يقعوا بالغرض وأعطاهم المال وكتب لهم كتباً إلى كل الجهات فساروا يطلبون ما أراد أمير المؤمنين فلم يزالوا من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم حتى وقعوا بالغرض ورجعوا إلى الحجاج بثلاث جوار مولدات ليس لهن مثيل قال : وكان الحجاج فصيحاً فجعل ينظر إلى كل واحدة منهن ومبلغ ثمنها فوجدهن لا يقام لهن بقيمة وأن ثمنهن ثمن واحدة منهن ثم كتب كتاباً إلى عبد الملك بن مروان يقول فيه بعد الثناء الجميل وصلني كتاب أمير المؤمنين أمتعني الله تعالى ببقائه يذكر فيه أني أشتري له ثلاث جوار مولدات أبكاراً وأن أكتب له صفة كل واحدة منهن وثمنها فأما الجارية الأولى أطال الله تعالى بقاء أمير المؤمنين فإنها جارية عيطاء السوالف عظيمة الروادف كحلاء العينين حمراء الوجنتين قد أنهدت نهداها والتفت فخذاها كأنها ذهب شيب بفضة وهي كما قيل : [ من البسيط ] بيضاء فيها إذا استقبلها دعج * كأنها فضة قد شابها ذهب وثمنها يا أمير المؤمنين ثلاثون ألف درهم وأما الثانية فإنها جارية فائقة في الجمال معتدلة القدر والكمال تشفي السقيم بكلامها الرخيم وثمنها يا أمير المؤمنين ستون ألف درهم وأما الثالثة فإنها جارية فاترة الطرف لطيفة الكف عميمة الردف شاكرة للقليل مساعدة للخليل بديعة الجمال كأنها خشف الغزال وثمنها يا أمير المؤمنين ثمانون ألف درهم ثم أطنب في الشكر والثناء على أمير المؤمنين وطوى